أبي حيان التوحيدي
206
المقابسات
وتستعجله في حاجتها ، وتحثه على قضاء اللذة والوطر منها ؟ فاما مثال العقل فكأنه شيخ همّ قاعد على بعد ، ليس به نهضة للزحوف إليه والحيلولة بينه وبين ما نزل به من صاحبته الوقحة الفاضحة ، إلا إنه مع ذلك يصيح ويتأوه وينادى بصوت يحرك رأسه ويبسط يده ، ويعظ ويلطف ، ويعد ويخوف ، ويضمن ويرفق ، ويشفق ويحنو ، فأين تأثير هذا الشيخ الهم المحطم من تأثير هذه الخالبة الغالبة المحتالة المغتالة ؟ هذا مع قلة إصغاء الشاب إلى الشيخ وسيلانه مع هذه وأراد بهذا المثل ، الفرق بين العقل فيما يدعوك إليه لتسعد ، والحس فيما يكلمك عليه لتشقى ، هذا في جميع ما يزاوله ويحاوله ويهم به ويتوجه نحوه ، فعلى هذا فان اللّه تعالى وتقدس معروف عند العقل بالاضطرار ، لا ريب عنده في وجوده ، ومستدل عليه عند الحس ، لأنه يستحيل كثيرا ولا يثبت أصلا ، فمن استدل ترقى من الجزئيات ، ومن دعى الاضطرار انحدر من الكليات ، وكلا الطرفين قد وضح بهذا الاعتبار ، وكفى مؤنة الخبط والاكثار ، وهكذا كل شئ يطلب أصله وفصله بالنظر الفلسفي ، والبحث المنطقي ، والاقتراء الإلهي ، فأما ما ينظر منه في الجدال فلا يرث الانسان منه إلا الشك والمرية ، والحسبان والظنة ، والاختلاف والفرقة ، والحمية والعصبية ، وهناك للهوى ولادة وحضانة ، وللباطل استيلاء وجولة ، وللحيرة ركود وإقامة ، أخذ اللّه بأيدينا وكفانا الهوى الذي يؤذينا ، وصنع لنا بالذي هو أولى به منا ، والسلام